المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجزيرة: أكاديمية قرية و طيبة جامعة (د. هاشم مساوي)


مامون احمد م زين
18-06-2011, 12:17 PM
كنتُ كلما أزور صديقي الدكتور هاشم مساوي فى المدينة المنورة يخصني بمسودة كتاب يعده للنشر أو مقال على وشك الصدور فى احدى صحف السودان .. وكنت قد كتبت عن مواهب الدكتور هاشم مساوي الكثيرة من قبل فى هذا المنتدى ..حين صدور كتابه (بين مانديلا وعبدالله الطيب) قبل عامين ..

عندما زرته فى منزله يوم الخميس الماضي أطلعني الدكتور هاشم على هذا المقال الذى يتوقع نشره فى صحيفة الرأي العام .. ولم يخف خشيته من تقطيع اوصال المقال بحذف الاشعار منه أو اختصارها مما سيشوه المقال والمغذى منه ...
وأنا استميحه عذراً ان قمت بنشر المقال هنا قبل الصحيفة وقبل أخطاره أنني سأفعل..

مامون احمد م زين
18-06-2011, 12:19 PM
لم أحظ بالدراسة في جامعة الجزيرة فقد تقدم بي الميلاد فدرست الطب في والدتها جامعة الخرطوم و لكني حظيت بالانتماء إليها بطرق مختلفة إذ بدأت حياتي العملية كطبيب امتياز بقسم الباطنية بجامعة الجزيرة في العام 1983 تحت إشراف الأساتذة إبراهيم سكر و عثمان خلف الله و عبد المنعم فضل الله. و ظل حبل الود بيننا متصلاً و هذه الجامعة الجميلة إذ بدأ أخي جعفر مساوي دراسة الطب فيها في نفس العام و ما كاد يتخرج حتى استلمت الراية سارة علي مساوي من الجيل التالي و كلاهما صار من أخصائي الباطنية الذين انتقلوا و نقلوا نجاح أولاد الجزيرة إلى أبناء فكتوريا علماً و عملاً ثم صارت الصداقة قرابة من الدرجة الأولى عندما التحق ابني محمد و بنتي راحيل هاشم مساوي للدراسة بطب الجزيرة
من ميزات و مميزات دراسة الطب بهذه الجامعة أن الطالب يبدأ و منذ وقت مبكر التعامل مع الناس و المجتمع مما يخلق تداخلاً منسقاً و ارتباطاً موثقاً بين الجانب العلمي و العملي و تزامناً موفقاً بين التحقيق و التطبيق في بواكير الدراسة و الممارسة. الجامعة لا تنتظر طالبي الخدمة العلاجية و الوقائية من أفراد المجتمع بل تسعى إليهم بطلابها و تسبقهم بخيرات طب المجتمع الذي يجتاز الضواحي و طرف المدائن ليشمل كل القرى النائية و الدانية. جامعة الجزيرة تعطي مادة طب المجتمع أولوية و أهمية بالغة شرعاً و منهاجاً بطريقة تجعلها تتخلل كل الفترات و الفقرات الدراسية و المواد الأكاديمية الأخرى. و أنا أتابع مع أبنائي تعرفت على برنامج القرى, فبواسطة هذا البرنامج يرتبط الطالب بقرية معينة يزورها ضمن الفريق الطلابي و الذي لا يختلف عن الفريق الطبي كثيراً من حيث الإفادة و الاستفادة عبر زيارات متكررة طوال سنوات الدراسة مما يخلق علاقة قوية و صلة متينة بين الطالب و القرية تنمو فيها الأواصر و تقوى طوال هذه السنوات الشيء الذي يضع الكلفة و يسمو بالألفة بينهما لدرجة الانتماء.
إننا كشأن الكثير من الأسر و العائلات ذات الجذور القروية الضاربة في التربة الريفية بأرضنا الطيبة إلا أنه قد بعدت بنا الأمكنة و طالت بنا الأزمنة فصرنا لا نزور هذه القرى إلا لماماً و لفترات قصيرة نقصر فيها الصلاة و نجمع فيها الصلات فنكون كالضيوف في ديارنا, و لذلك جاء برنامج القرى هذا ليرد علينا كآباء و أمهات الكثير مما فقدناه بابتعادنا عن الريف فتجد الواحد منا في غاية السعادة وهو يتصل بأبنائه الطلاب و هم في زيارة لأحدى القرى و يلقي السمع و هو شهيد عبر الهاتف الجوال عله يحظى بأصوات الزراع والفلاحين صادرين في البكور أو عائدين مع الغروب فنحلم بالعودة معهم لتلك الديار و المشاهد الريفية الجميلة لنتبادل البيولوجي الطازج مع الحيوان و النبات في القرية:
وغدا ًنعود
حتماًنعود
للقرية الغناء للكوخ الموشح بالورود
تزغرد الجارات
والأطفال ترقص و الصغار
والنخل و الصفصاف
والسيالزاهية الثمار
وسنابل القمح المنور في الحقول و في الديار
شكراً لجامعة الجزيرة و هي تعوض أبنائي في هذا الزمان ما فاتهم من ارتباط بهذه القرى و هذه المناهل الريفية الأصيلة و ما فيها من نبل و فضل و كرم على الطبيعة و كأني بالطالب و هو يتعلم الطب يكتسب المروءة مع الأكاديميات و الشهامة مع المعلومات فيتخرج طبيباً إنساناً ليعالج مريضاً إنساناً. عندما كنا طلاباً في أعمارهم لم تكن المدنية و لا المدينة بهذه الصرامة التي نخشى منها على موروثاتنا الجينية البلدية و كان معنا حينها الشاعر ود بادي الذي لا يرى فرقاً كبيراً بين رحلته لدراسة الطب و رحلات فرسان القرية الآخرين فالمحصلة متساوية من حيث القيمة و متشابهة من حيث الغاية فانظر أخي الكريم تصويره الشعري في هذا المسدار:
الجنيات الحزمو الجبة
و عرق الشتوي عليهم نايا و صبّ
قول مادلاّ
رجالاً حصدوا الحبة
عيشهن هادو انكال و اتعبّ
و باقي مصوبر و واقف قبة
الحمد آلاف ... الشكر آلاف
الرزق الجانا مدلّه ... الحلق الجاف اتبلّ
شوفو النعمه السالت فوق قيزان الرملة
ناس البندر لبن الشاي بالعملة؟
ذات في يوم و الغيمة تهتف مطراً نقّع
فوق نوار الطلح الفقع
غرّب حامد و شرق بلّة
تلّب حامد فوق مخلوفة اب زور و اتربع
طلق الرسن اب زمّه و سوّا خبيباً بدّع

و أكيد مثل هذا الفارس ستكون عودته للقرية كلها بشر و خير الشيء الذي لا يختلف عن عودة فرسان أو طلاب الطب للقرية و هم بذات المروءة و الشهامة و حتى محتويات حقائبهم و بما فيها من كتب و مذكرات لا يقل خيرها عما في جراب حامد و بلة كما رسمها الشاعر الدكتور ود بادي في آخر هذا المسدار و هو يقارن بل يطابق ذلك بعودته و رفاقه طلاب الطب لقراهم:
ديل يوم عادو اتلافو الجاهل بحقوق الله
ديل كم لحقوا الضايق بشهق و داوو العلّة
الواحد حقايب سفرو تقال من جنس كتاب و مجلّة
الحكمة الولد اتوضا و صلّى
عادة البلد الدخلت سكنت و ما ببتخلاّ
و ابنتي راحيل و زميلاتها طالبات الطب لا يقل دورهن في برنامج القرى هذا عن زملائهم الطلاب في التعاطي و التعامل و هن يجلبن معهن تلك القيم النسائية الغالية لرحاب الجامعة:
وينا مراتع الدرت الباسط دايماً ببكي عليهن
وين بنوت الحلة عصراً بدري يسوّن في شاهيهن
وحاتكن في قمراتنا بشوفو وشيهن
مقنع سابل وين بلقاهو
و عين بتدنقر من واليهن
قيمة الإنسان في القرية عالية و غالية حتى و إن لم يؤت سعة من المال أو حرم بسطة العلم و الجسم كما هو الحال مع أصحاب الإعاقات و الوهن الذهني و أمراض الجهاز العصبي المختلفة في الكبار و الصغار. و ربما شاركني الرأي البروفيسور حبور أستاذ طب الأطفال و عميد طب الجزيرة و اتفق معي بأن الزين (بطل رواية عرس الزين للطيب صالح) لم يكن ليحظى بتلك المكانة الاجتماعية لو عاش في المدينة و لما نعم بتلك العلاقة القوية مع الشيخ (الحنين) و لكان زواجه من السيدة الفضلى ذات القدر الاجتماعي العالي, النعمة بنت ابراهيم سيدة المجتمع و ست البنات أمراً مستحيلاً. تلك الصورة التي نجدها متكررة و متشابهة في العديد من القرى فكل قرية لها زينها (درويشها المبروك) و حنينها (شيخها الوقور).
أجزل الشكر لمجتمع جامعة الجزيرة و برنامج القرى الذي لم يحي فينا ذكريات دفينة فحسب بل أعاد إلينا مفقودات ثمينة و موروثات طالما طمعت في اقتنائها و تحنيطها متاحف المدينة.
انا طريت القرية يا دمعاتي سيلي
باقي من اتحرمت سنين طويلي
طريت ناسنا الحنانوما نمت ليلي
ناس نفوسن صافي من نية الرزيلي
وناس قلوبن راقدي بالحاجيالقليلي
وناس يكرموا الضيف لو كان بالبليلي
ناس يعزو الجار ويموتو حميالقبيلي
دي طيبة القرية ما جاتن دخيلي
طيبة في القلب مستمدة من طيبة القرية و حزمة أساسيات لا يقلل مظهرها العفوي من أهميتها التي لا تقل عن أهمية المعلومات الأكاديمية في إعداد الطالب لممارسة مهنة الطب بكل أبعادها الإنسانية الطيبة:
طيبة القرية يا خلايا احسبا في النسيمة الجاية
في كلماتي في نغماتي في طنبوري في السلكاية
طيبتا في حجي الحبوبة وطيبتا في طين البيوت مكتوبا
طيبتا في ضليل راكوبا في ريحة التراب واللوبا
فهذه القرى بالذات و التي يشملها برنامج طب المجتمع بجامعة الجزيرة لها رصيد حضاري و ميزات و مميزات جميلة فهي تقع في أرض المحنة و في قلب الجزيرة و هذه ليست عبارات رومانسية و لكنها حقائق علمية فما من مواطن سوداني من كل ربوع السودان بجهاته الأربع إلا و له أقارب و أرحام في هذه القرى التي تمثل الثقل النوعي للسودان, كما أن هذه القرى و رغم انتشارها على مساحة واسعة من الجغرافيا إلا أنها تتبع لمشروع الجزيرة الذي وصف يوماً ما بأنه أكبر مشروع زراعي و اقتصادي في العالم, نعم أكرر العبارة, أكبر مشروع في الدنيا, و كل مجموعة من القرى فيه تتبع لمكتب (تفتيش زراعي) إذ كانت هذه المكاتب أو (التفاتيش) بمثابة المنارات التي تشع حضارة و ثقافة و تبث خدماتها التعليمية و الصحية في كل القرى بالإضافة لشبكات النقل في سكك حديد الجزيرة العريقة و وسائل الاتصال العتيقة التي تربط بين مختلف المناطق و الكل يرتبط بالعاصمة المثلثة (مدني و بركات و مارنجان). كم هي مثمرة تلك الأوقات التي يمضيها الطلاب و هم يتناقشون مع عمهم حكيم القرية (المساعد الطبي) و خالتهم داية الحلة (القابلة) و أخيهم المعاون الصحي في الشفخانات و نقاط الغيار و يطوفون على الفرقان (الأحياء) و الديار و يجمعون المعلومات الطبية من الطبيعة و يصنفونها و يرتبونها حسب الخلفيات الأكاديمية. إنه نشاط أكاديمي لا يتثنى لكبريات المؤسسات التعليمية في العالم فلذلك كان من حق أهل جامعة الجزيرة أن يفخروابين جملة جامعات السافل و الصعيد و يرفعوا راياتهم عالية البنود بين عموم أهالي هارفارد و أكسفورد.
التنوع في البيئة بغطائها النباتي و الحيواني و حياة البشر تكون أكثر وضوحاً في القرى و الأرياف مقارنة بالمدن التي صارت على ضخامتها وحدات متكررة و لا تكاد تجد فرق بين أنماط و أشكال المدن حتى و لو اختلفت الأقطار و القارات, فلا فرق يذكر بين نيو أورليانز في الغرب و نيو دلهي في الشرق و بين أكابر المدن في الشمال أو الجنوب فالغطاء الأسفلتي واحد و المباني هي نفسها و حتى المحلات التجارية صارت موحدة ابتداءً من مطاعم ماكدونالدز و كنتاكي و النسخ المكررة من المحلات التجارية مثل مارك اند سبنسر و مزر كير و مانجو و غيرها. و حتى المظاهر المدنية و الحضرية و الخدمات التقنية و التي كانت حكراً و حصراً على المدن و البنادر في الماضي صارت الآن و بفضل تسهيل المواصلات و تيسير الاتصالات متاحة في كل القرى و البوادي.
من الملاحظ في الهدى القرآني وجود كلمتي القرية و المدينة و في أكثر من موقع لوصف نفس البلد المعين فمثلاً في سورة يسن نقرأ (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13)) ثم نقرأ (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)) و بصورة أوضح في سورة الكهف (...فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَافَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِداَراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّفَأَقَامَهُ...) ثم نتلو (وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ).
وكما يطالبنا أساتذة الجامعة بكتابة المراجع في نهاية كل بحث أو مقال فأرجو أن أذكر في آخر هذا المقال و عند هذا المقام كتاباً مهماً هو ليس مرجعاً و لكنه ملهماً بعنوان ذاكرة قرية لمؤلفه حارس التراث السوداني الطيب محمد الطيب رحمه الله. ظل الطيب محمد الطيب فارس الأكاديميات و بروفيسور الحوبات و على مدى سنوات طويلة يجلب من القرية إلى المدينة و إلى كل المجتمع جميع أنواع الثقافات و الكرامات و القيم الإنسانية النبيلة و بمختلف وسائل النشر و الإعلام المكتوب منها و المشاهد و المسموع و على رأسها يذكر السودان كيف كانت تطل القرية على المدينة وعلى مدى سنوات عبر برنامجه التلفزيوني الشهير صور شعبية.
مع هذه المعطيات لا يهم إن كان اسم الموقع اصطلاحاً قرية أو مدينة طالما أن الإنسان ذلك الكائن المكرم في البر و البحر هو حامل الرسالة و طالما أن هناك مؤسسات مثل جامعة الجزيرة و طب المجتمع تصل الإنسان و تكرمه في مكانه. و أختم قولي بالصلاة مسلما على المصطفى و الآل و الصحب دائما.


د. هاشم مساوي
hashimmissawi@hotmail.com
استشاري علم الأمراض
وزارة الصحة. المدينة المنورة
رجب 1432 يونيو 2011

عبدالرحمن مضوي عبدالرحيم
20-06-2011, 01:42 PM
مامون ..سلام لكم وأسرتكم وتحية للدكتور هاشم مساوي ..قرى الجزيرة أصبحت بيوت أشباح غلا أنهم صمود ...فهلا أشار الدكتور لهذه التشوهات بعد السرد المطول في جماليات القرى ورتابة المدينة ...قرى الجزيرة اليوم تدعو للإشفاق فهي قرى ولدت في قرون مختلفة ولم ينالها التحديث في شيء .... أكوام من البشر متكدسة خلف بئر معطلة ومشروع مجهض يتقاذفه أصحاب الأطماع ليأخذوه من أهله بحفنة دراهم لا تبق ولا تذر ...نسأل الله أن يعيعد الابتسامة والجمال لهذه القرى المكلومة .
تحياتي